وهبة الزحيلي
125
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الإعراب : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً نصب رَحِيماً إما على الحال من ضمير غفور وهو العامل فيه ، وإما صفة لغفور ، وإما خبرا بعد خبر . البلاغة : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ استعارة تمثيلية ، مثّل الأمانة بما فيها من ثقل وشدة متناهية بشيء لو عرض على السماوات والأرض والجبال لأبت حمله وأشفقت منه . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بينهما ما يسمى بالمقابلة . وبين بدء السورة : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وبين ختمها : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ ما يسمى في علم البديع : « رد العجز على الصدر » فالبدء في ذم المنافقين ، والختام لبيان سوء عاقبتهم . المفردات اللغوية : عَرَضْنَا أي عرضها على هذه الأجرام خلافا لما في الطبيعة الْأَمانَةَ أي التكاليف الشرعية كالصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب ، وتركها من العقاب ، وسماها أمانة ؛ لأنها واجبة الأداء عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها المعنى أن الأمانة لعظمة شأنها ، بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام ، وكانت ذات شعور وإدراك ، لامتنعت من حملها ، وأشفقت منه وخافت وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ آدم أبو البشر بعد عرضها عليه ، مع ضعف بنيته ورخاوة قوته ، فإن أدى حقوقها فاز بخير الدارين إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا أي إن الإنسان حينما التزم بحقوق الأمانة كان ظلوما لنفسه بما حمله ، جهولا به ، وهذا وصف لجنس الإنسان باعتبار الأغلب . والمقصود بالآية تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم ، فهي لام الصيرورة ؛ لأنه لم يحملها لأن يعذب ، لكنه حملها ، فآل الأمر إلى أن يعذب من خان الأمانة وكذب الرسل ونقض الميثاق ممن نافق وأشرك ، ويتوب على من آمن ، الذين أدوا ما حملوه من الأمانات من العبادة وغيرها .